اذهب الي المحتوي
منتديات سايق الخير

حضـن الرصاصـــة


Recommended Posts

ينظر من النافذة متأملا اللاشيء من ورائها , يودع تلك الأرض , نظرة حار من تعريفها لكنه لم يركز في مكنونها , لم يستطع تعريف تلك المشاعر أو وضع أصبعه على الشعور العارم في تلك الحزمة التي تجتاح أعصابه , لكن الألم يزداد عمقا مع ازدياد سرعة الطائرة على مدرج المغادرة ذاك , تتسارع معه صور ذاكرته تجاوبا . تجتاحه الحيرة ربما لأنه لا يستطع فرز الأشخاص واللحظات المترامية في تلك الصور , أحس كأنها تغادره أوكأنها ترمي بنفسها من تلك النافذة.

تزداد الحركة في تلك القاعة : أزيز المحرك , صوت المضيفات الصاخب في التعامل مع الحمقى الذين لا يفقهون ما الحزام وأين زر النداء وقناع الأكسجين وباقي الأدوات التي يتحدون بها القدر وإضافة تلك الجوقة يعلو صراخ لأطفال رضع يزيد من وطأة ذلك الضجيج , ليبقى الأدهى والأمر صخب هذا البرميل البشري النائم أمامه بصوت شخيره العالي وضغط فائض دهونه الذي يجعل التصاقه بتلك النافذة أمرا محتوما رغم جاذبية تلك الأرض .. لكنه لا يشبه الشخير الذي أعرفه .. كأنه محرك قطار بخاري في أقصى سرعاته .. قالها في سره غاضبا..

 

انطفأت تلك الأضواء المحذرة .. وارتفعنا في الهواء أخيرا .. مرحبا أيها المجهول !! .. أو بالأحرى مرحبا بالماضي . ويا له تعقيد.. أن تغادر الماضي فجأة مجبرا ومن ثمة تخير أن تعود للمستقبل علك تصلح شيئا في الماضي ومن ثم تجد نفسك أمام الماضي في الحاضر وبعدها ينقلب كل ماضيك فجأة ليصبح مستقبلك .. عجيب حقا .. أراهن أن كتاب المسلسلات لم يفكروا في مثل هذه الحبكة المؤلمة أو ربما خافوا أن يرسموا الحقيقة العارية بكل دمائها .

 

بسرعة وفي دقائق اجتازت الطائرة الشاطئ ودخلت في بعد جديد بلون عجيب , أزرق البحر الجميل , فاجتاحه أسى عميق ليس من البحر طبعا لكن من هذا المكتوب عليه ..ولكن لما الأسى ؟ هذا ما أردته وأرادوه مني .. هذا ما عرضته ورفضوه ؟؟

 

- بنيتي الحبيبة ..ليتني ألتقيتك بعد أخر مرة , كنت مستعدا أن أتحمل نظرة اللوم من عينيك الصادقتين التماسا للحظة معك . كنت سأفضح كل شيء لأقولها بقوة رغما عن كل تلك العيون التي تترقب شفاهي وتتغامز بينها وهي تمسك زناد نهاية حياتي , كنت سأقولها وأصرخ رغم أني سأكون قتيلا في نهايتها , كنت سأقولها بملأ فمي وبكل فرح .. بنيتي الحبيبة .. وكفى . فقط لتعلمي أنني أنا الأب البيولوجي في تعبيرهم , وأنا من حملك في قلبه طوال فترة عذابه و غيابه .

جندي قديم مهمته لا يجد لها الكلمات ليصفها فلا يدري هل الحق معه أم أن الحق يقف بجانب الجثث الصامتة , ولما يقاتل الجندي البسيط في هذا العالم العميق : من أجل الخلود .. من أجل الوطن .. من اجل الكرامة .. مجرد كلمات وكذبات عميقة الوقع والحقيقة المجردة أن لا واحدة من كل تلك الشعارات تنطبق عليه أو يكون جزءا منها. فلا الخلود بالمتوفر للبشر ولا الوطن " الكذبة" التي رسمت بدماء سكان التراب يملك حق التمتع فيها وقد إنقلب النظام من عسكري قاسي إلى ديمقراطية حرة تقتل مواطنيها . أما الكرامة فهي ثمار تقطفه قمم الجبال فقط وتحمل الصخور الصغيرة في ذلك الجبل كل الهم والألم. .

 

يا للأسف ..لم أكن ولا أظنني..سأكون أبا حقيقيا أبدا .. ورغم ذلك فإن كل الماضي الذي كان لا يغطي حقيقة أنك جزء مني وأنني جزء منك.

 

تغير المنظر من جديد لينتهي شريط البحر وتصبح حياة في الأسفل رغم أن رنينها وأصواتها منعدمة في هذا العلو ..

 

تذكر عندها صوت المسدس وهو يزمجر قريبا من عينيه , في تلك الغرفة , عند أخر مهمة لقاتل متقاعد مثله ,يوم زيفوا لديه حقيقة أخرى واستدرجوه ليخطأ من أجلهم, تذكر عيون الفتاة التي ركزت المسدس عليه بقوة وإصرار,بوجه محتقن بلهفة الانتقام:

 

- أجل , تلك هي بنيتي حقا ..في أحلك الأوقات تظهر شجاعتها..وارتسمت ملامح فخر على شدقيه ناسيا أنه من كان المقصود بتلك الرصاصة المتشوقة لاختراقه , نزع قناعه أمامها ورماه بعيدا بكل بطئ , كمن يخجل بندبة كبيرة مريعة في وجهه, كانت ندبته تلك ..وجهه !!

تعجبت مستغربة وقالت :

 

- هذا أنت .. ما الذي تفعله هنا ؟ ومن الذي أرسلك لقتل والدي؟

وأشارت إلى الجثة التي أخذ روحها بكل جمود وبساطة , جثة مرمية في دمائها ووجهها موجه للأرض , ضربة قاتلة في الصدغ بقي أثرها أسودا في بقعة الدماء تلك ..

 

غابت قليلا وخفت صوتها وهي تعالج غصة ثم أردفت :

 

- لقد كان هذا والدي العزيز , أعظم رجل في الوجود وأحنهم على الإطلاق وقد قتلته الآن بكل برودة مختفيا وراء قناع تافه , تحاول إخفاء نفسك الدنيئة تحته وما الذي سيغطيه ذلك القناع فلابد أنك ترى تلك الأرواح في المرآة بدل وجهك . لا محالة أنها تزورك كل ساعة حلم وصحوة . تظاهرت بأنك صديق لجدي وللعائلة لتدخل بيتنا على ذلك الأساس وها أنا أدخل عليك اللحظة وقد أخذت مني كل شيء . ثم رفعت المسدس من جديد بعصبية سريعة وأطلقت النار جهة قلبه مغمضة عينيها . أما هو فقد سقط .. سقط منذ زمن .. بالضبط عند جملة أحن والد في الوجود ..

 

كانت تلك الرصاصة القاضية قبل أن تصل الرصاصة النحاسية القاتلة , قبل أن تلامس ذلك القلب المدرع بماضيه مرت الكلمات سما من خلال مسام جلده سما قاتلا شل حركته وأوقف تنفسه . أو ربما أنه أراد فعل ذلك عمدا لينتقم من نفسه . ليقتل نفسه ..

 

بقيت تنظر إليه في ذهول وهو يترنح ومن ثمة يحتك على الحائط نزولا حتى يسقط تماما , جاء جدها يركض صارخا وقد دخل في تلك اللحظة بالذات :

 

- ما الذي حدث ؟ من أطلق النار ؟ فذعر عندما رأى الشخص صاحب القناع مرميا ولم يلتفت حتى لوالد الفتاة المزعوم :

 

- ما الذي فعلته ؟ تبا ! ما الذي سنفعله الآن؟ هيا بسرعة ابحثي عن مفاتيحك وانطلقي في سيارتك إلى والدتك وابقي عندها وسأتكفل بالأمر.

 

بقيت مشدوهة تنظر بغباء إلى المرميان في الدماء , صرخ الجد معيدا نفس الكلمات فانطلقت بدون وعي إلى الخارج. نظر العجوز إلى المحتضر فوجده جثة هامدة صامتة . تلمس العنق , هناك نبض خفيف , لكن هناك أيضا دمعة تنزل.. تسير نازلة بهدوء من عينيه في موكب جنائزي , خمن الشيخ بسرعة أن الراقد يبكي ماضيه وحاضره رغم أنه لم يفهم لما يبكي الإنسان المحتضر الوجود وما الفائدة من ذلك وهل ينفعه خوفه الفطري من المجهول أو ربما سيزيد بعض الحسنات في الميزان..

 

أيقظه العجوز ثم قال مؤنبا وهو يساعده ليوقفه على رجليه :

 

- ما حكايتك أيها الأهوج ؟ ألم تجده غير اليوم ؟ يا إلهي منك .. ما هذا العقل الذي تملكه . أتعلم ؟ لست نادما أبدا أنني أبعدتك عن ابنتي وجعلت حفيدتي التي هي ابنتك تتربى في كنف المغفور له التي كنت أنت أخر وجه رآه , ستفهم ذلك يوما رغم أن الأبوية شيء غريزي يكبر في الوالد مع الأيام وهو يرى صبيه يحبوا أو يسقط وهو يتعلم المشي .. هو إدراك عميق يقلدك إياه حبك العميق لفلذة كبدك ولست أقول إنك لا تحمل مثل هذا المشاعر , لكنها مهنتك اللعينة من جعلت وجودك صعبا واستعدادك مستحيلا أما عن والدها بالتبني التي خطفت أنفاسه اللحظة فقد فتح بابا لا يخصه وأكل ما لا يقدر على دفع ثمنه وقد كنت أنت زنادي وسبب رصاصة الخلاص التي طهرت الوجود منه..

 

كل هذا والوالد مرمي في المقعد الخلفي لسيارة العجوز الفارهة وهو نفسه من يسوقها فقد أضطر لصرف سائقه الشخصي لبقية اليوم , ومن ثمة أوقفها في حي مشبوه أمام ممر ضيق وجعل يسند المصاب حتى أوصله لأحدى الأبواب في ذلك الحي..

 

أفاق من سهومه ذلك على ضجة الحركة التي ملأت القاعة من جديد والمضيفة تشكر المسافرين على صبرهم وعلى اختيار شركة الطيران هذه أما هو فلم يطل على النافذة كما يفعل الناس عادة في هذا الموقف لأنه قد اشتم عبق الماضي والظلام مسبقا , وكيف ينساه وقد كبر في كنفه ..لكن : ذلك العجوز داهية حساس حقا فإنه لم يسألني لما لم أهرب من أمام المسدس وهي أكبر موهبة يملكها أصحاب هذه المهنة .. لقد علم أنني سأتقبلها بكل رضا وقبول , علم أنني سأحتضنها في الرصاصة.. اللعين ..يعرفني ويتهمني بالقسوة والجفاء..

 

وصل إلى باب الطائرة وقد بدا الناس في الأسفل أقل حجما بكثير مما يدعون !! وودع تلك اللحظات على صوت المضيفة عند الباب وهي تودعه قائلة : حظا موفقا وأتمنى أن تجد ما جئت من أجله إلى هنا ..

 

 

بقلمــــــــي

تم تعديل بواسطه king85z
رابط هذا التعليق
شارك

عشتها و تنفستها

إخترقتني رصاصتها

تلبسني الهم و شارفت دمعتي على السقوط

 

قصة رائعة تلامس جانبًا حانيًا مهجورًا في الغالب

 

حبكة متماسكة و كلمات متينة و أسلوب أنيق مليء بالتصاوير

 

أشكرك أخي بكل حرف سطرته على المتعة التي قضيتها و أنا أقرأ كتابتك الراقية

 

أتمنى أن أرى جديدك دائمًا و حتى قديمك ... دعه يرى النور رجاءً

 

فكاتب مثلك له من الإبداع باع لابد أن يكون له دفاتر عامرة.

 

تقبل مروري أخي كينغ

رابط هذا التعليق
شارك

الإستهلال ~

 

اروع ما يكون لكنه محرم في مبادئي ~

 

لأنه يجبر من طُبقَ عليه بعمل مالا يريد ؟

 

اخي مرحبا بك فلقد اشتقنا لكلماتك

 

ولكن الأشد دهشة فيني هو هذه الكلمات القاتلة التي نقشتها على نحاس تلك الرصاصة

 

قرأتها مرة ومرة اخرى و وددت لأقرأها مرة ثالثة

 

ولكني خفت ان اخرج عن تفكيري فكتفيت بأن اكتب هذا فقط

 

فعذرا منك

 

~

 

وشكرا لك

رابط هذا التعليق
شارك

اشتقت لأقرأ كتاباتك ، بعد أن قطعتها عنا لفترة طويلة !

 

عجِبت من العنوان أولاً .. ومن ثم ؛ علمت أني أخطأت في ضبطه !

 

سلمت أخي ، ودام قلمك مبدعاً ،

وخيالك واقعاً !!

 

حيّاك الله

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل
×
×
  • اضف...